رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير

إدلب.. كرة النار التي يتقاذفها الخصوم على الدوام

إدلب..  كرة النار التي يتقاذفها الخصوم على الدوام

عيون الناس في المناطق المحررة ترحل باتجاه قمة أخرى، من المفترض أن تقرر مصير المنطقة، الهدوء يلف المكان مع انتظار ما سيتمخض عن اجتماع يضم كلا من فرنسا وألمانيا وروسيا وتركيا المنعقد هذا اليوم في نهاية الشهر الحالي، تغيب الطائرات الروسية وكأنها في إجازة صيف بينما تحوم المروحيات السورية لفترات متقطعة حول كبينة وما حولها، تلك التي كانت تجوب سماء المحرر على مدار الساعة بحثا عن النساء والأطفال والشيوخ لتمطرهم حمماً وصواعق فتدمر منازلهم فوق رؤوسهم وتمزق أجسادهم المنهكة.
لم يعد سرا أن الوضع السوريّ متطوّر ويتم تحديث الخارطة الجغرافية والسكانية باستمرار، وكلما كثر اللاعبون الدوليّون والإقليميّون المتحكمين بالشأن السوري يزيد الأمر تعقيداً، حتى أصبح من المستحيل إدراك من اللاعب الحقيقي والمؤثر في مجريات الأحداث، لكثرة الدول الحريصة على تحصيل مصالحها.
بينما لا يزال الثوار والنشطاء يسرحون في أحلام 2011 مستحيلة التحقيق، مع سنن التدافع الكونية التي لا يملكون من مقومات التأثير فيها إلا اليسير ومع الحرب الطائفية المندلعة والصدام بين شتى الملل التي تقطن الأراضي السورية، الا بعض التحالفات المصلحية المؤقتة.
نحن اليوم في أمس الحاجة إلى إعادة بناء الوعي، ودعم أصحاب الفكر لإدارة دفة القيادة، وتجديد الخطاب الثوري لأن الوضع (الجيوسياسيّ) يتعقد بشدة، ولا بد للناشطين من التعامل مع المعطيات الجديدة بحذر وذكاء وتفتّح ذهنيّ بعيداً عن المغامرة والمقامرة؛ إن أرادوا وصول الثورة إلى أهدافها، وإلا فالتاريخ لا يرحم، وسيضع مناصر الثورة الغبي في خندق عدوها العميل.

أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة الغموض الذي يكتنف المؤتمرات والتفاهمات بين اللاعبين الكبار مع انعدام الشفافية وندرة التصريحات وشح التسريبات، حيث لا تطمينات من قبل الأطراف لأي طرف من أطراف الصراع -كما يسمونهم- في سوريا، على عكس ما كان عليه الحال في مطلع الثورة قبل ظهور التنظيمات التي عقدت المشهد وعولمت القضية السورية، وامتطاها اللاعبون الإقليميون ليعبروا على ظهرها إلى عمق المشهد والتحكم به متذرعين بعدة أسباب أهمها:

  • أن هذه التنظيمات لا تؤمن بحدود سايكس بيكو وتغتنم الفرصة لتعبر الحدود السورية إلى خارجها مما يسبب خطراً على دول الجوار شركاء الجغرافيا والتاريخ والطوائف والملل
  • تُتهم بعدم اعترافها بالنظام العالمي الذي رُسمت ملامحه بعد الحرب العالمية الثانية من قبل الدول المنتصرة وأصبح قانوناً من أراد تغييره يجب أن يخوض حرباً ثالثة ضد النافذين فيه
  • لديها مشاريع توسعية وتهديدات عابرة للقارات، لن تتوانى عن تحقيقها إن أتيح لها ودعمت بالسلاح والمال.
  • عليها إشارات استفهام في قضايا جدلية عن الحاكمية والدعوة للإسلام والإكراه والقضاء تعتبر انتهاكات بحق المجتمع الدولي.
  • تضاف لها الأسباب التي تهدد الأمن القومي للدول المجاورة وخوف وصول الحرب الطائفية لدول الجوار مثل تركيا وإسرائيل فاعتمدوا سياسة حذرة لاختيار أخف الشرين.
    هذه الأسباب وغيرها ساهمت في تعقيد المشهد وأعطت المبررات للاعبين الدوليين للتدخل مباشرة فيه.
    توزعت القوى المتصارعة على الجغرافية الممكنة ولا تزال المنطقة المحررة تمتد من إدلب إلى ريف حلب الشمالي، يسيطر عليها العرب السنة بينما تسيطر الأحزاب الكردية على شرق الفرات، أبرز ملامح هذه المنطقة التصاقها بالحدود التركية التي ربط مصيرها بالجار التركي وتعذر الانفكاك عنها، لما يسببه النزوح والهجرة إلى كوارث إنسانية، وردات فعل تصنف بالإرهابية نتيجة الضغوط الشعبية والاحتقان الطائفي في حال تقدم النظام واحتلالها من جديدة، وفي رأي الشخصي لن تتخلى تركيا عن المنطقة بسهولة لأنها ستحول مواطنيها والمهجرين إليها من باقي المحافظات لناقمين جدد مثل الأكراد في الشرق والعلويين في الغرب. لذا تحاول صنع حزام سني -المنطقة العازلة- يفصل بين حدودها وبين الثقب السوري الأسود و النار المشتعلة على طول حدودها الجنوبية، وهي الآن تحاول أن تحصل على أكبر عرض لهذا الحزام وسوف تستثمر علاقاتها بالروس والإيرانين لتخفف من شراهتها وتحد من روح الانتقام لديها.
    يبقى دورنا كسوريين نعيش في ماتبقى من المناطق المحررة، هل سنقف مكتوفي الأيدي في انتظار تنفيذ تلك القرارات المفروضة أم سنبحث عن تقاطع مصالحنا مع جيراننا، ومراعاة مخاوفهم والضغوط الدولية عليهم، كما لا بد من توجيه رسائل قاسية للحكومة التي تحكم المحرر لتكف عن تضييق الخناق على الأهالي والحاضنة الشعبية، كي لاتخسر تعاطفها وتفقد البوصلة وتجبرها على الرحيل خارج المناطق المحررة أو الانتحار في حضن النظام.
    ومن الأفضل للناشطين أن يبحثوا عن عمل ينفع ويعزز هذا التحالف غير التحريض على تركيا، لأن إغلاق الحدود ورفع السواتر سيحول إدلب إلى غوطة ثانية تحت لهيب الحصار وتحكم تجار الدم من الفصائل المسيطرة التي بيدها الموارد والمال.
    الوقت قصير ولا بد من بث روح الثورة في الجماهير للخلاص وبيان أسباب ودوافع قيامها ضد الاستبداد والفساد، وإخفاق النظام في إدارة الشأن العامّ وتقديم مصالح النخبة الحاكمة على الجماهير، وتهميش وطرد المعارضين أو القبض عليهم، من أجل هذا خرج الناس ضد هذا النظام الظالم، ولا بد من تبلور هوية الثورة الحقيقية، لحشد التعاطف الدولي، لا أن تطلب دعمه وهي تعلن حربه
    من المؤلم أنّ لا يكون هناك (هُويّة) تقوم على الشعور بالوحدة والانتماء والتكامل، هوية تكون على درجة كافية من الوضوح، يمكن أن نعرف بها عن أنفسنا أمام خصومنا أو أمام المجتمع الدولي، ومن المؤلم أن لا نجد شخصيّة سوريّة يلتف حولها الجماهير، قيادة تحت إدارة بالغة الدقّة بعيدة عن الطائفيّة، لا تثير مشاعر وغضب السّوريّين تجاه بعضهم الآخر.

    حليم العربي

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظة لشبكة أخبار ادلب 2020 ©